ابن عجيبة

361

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال القشيري : الإشارة فيه : إني متوفيك عنك وقابضك منك ، ورافعك عن نعوت البشرية ، ومطهرك عن إرادتك بالكلية ، حتى تكون مصدقا لنا بنا ، ولا يكون لك من اختيارك شئ ، وتكون إسبال التولي عليك قائما ، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى ، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه . ه . وقال الورتجبي : متوفيك عن رسم الحدوثية ، ورافعك إلىّ بنعت الربوبية ، ومطهرك عن شوائب البشرية . ه . ثم ذكر نشأة عيسى وخلقه ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 59 إلى 60 ] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ أي : إن شأنه الغريب في كونه وجد من غير أب ( كمثل آدم ) . ثم فسر شأن آدم فقال : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أي : خلق قالبه من تراب ، ثُمَّ نفخ فيه الروح ، و قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي : فكان ، فشأنه أغرب من شأن عيسى ، لأنه وجد من غير أب ولا أم ، بخلاف عيسى عليه السّلام ، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طبع اللّه على قلبه ، فاستعجز القدرة الإلهية ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً . هذا هو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي : الشاكين في مخلوقيته ، وهذا خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، على طريق التهييج لغيره ، أو لكل سامع . وسبب نزول الآية : أنّ وفد نجران قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا ، فتقول : إنه عبد ؟ قال : أجل ، هو عبد اللّه ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فغضبوا ، وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من غير أب ؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله . فنزلت : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ . أي : فهو أعجب من عيسى ، لكونه بلا واسطة أصلا . روى أن مريم حملت بعيسى وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وأوحى اللّه إليه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين . قال عليه الصلاة والسلام : « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، فإنه نازل بأمتى وخليفتي فيهم ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، سبط الشعر ، كأن شعره يقطر ، وإن لم يصبه بلل ، يدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويفيض المال ، وليسلكن الروحاء « 1 » ، حاجا أو معتمرا ، أو ليثنينّهما جميعا ، ويقاتل الناس على الإسلام ، حتى يهلك اللّه في زمانه الملل كلها ، ويهلك اللّه في زمانه مسيح الضلالة ، الكذاب

--> ( 1 ) فج الروحاء : طريق بين مكة والمدينة ، كان طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بدر ، وإلى مكة ، عام الفتح وعام الحج .